فصل: الحديث العَاشِر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث التَّاسِع:

«أَن أمَّ أَيمن شربت بَوْل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إذنْ لَا تلج النَّار بَطْنك». وَلم يُنكر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا.
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه. وَقَالَ فِي علله: إنَّه مُضْطَرب، وأنَّ الِاضْطِرَاب جَاءَ من جِهَة أبي مَالك النَّخعِيّ رَاوِيه، وَأَنه ضَعِيف. وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات البَيَّنات: رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن الْعدْل ابْن جريج، قَالَ: «أُخبرت أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَبُول فِي قدح من عَيْدان، ثمَّ يوضع تَحت سَرِيره، قَالَ: فَوُضِعَ تَحت سَرِيره، فجَاء فأراده فَإِذا الْقدح لَيْسَ فِيهِ شَيْء، فَقَالَ لامْرَأَة يُقَال لَهَا: بركَة- كَانَت تخْدم لأم حَبِيبَة، جَاءَت مَعهَا من أَرض الْحَبَشَة-: أَيْن الْبَوْل الَّذِي كَانَ فِي الْقدح؟ قَالَت: شربته. قَالَ: صِحَة يَا أم يُوسُف- وَكَانَت تُكَنَّى أم يُوسُف- فَمَا مَرضَت قطّ، حتَّى كَانَ مَرضهَا الَّذِي مَاتَت فِيهِ».
قَالَ ابْن دحْيَة: إنْ كَانَ عبد الرَّزَّاق قَالَ: أُخبرت، فقد أسْندهُ يَحْيَى بن معِين، عَن حجاج، عَن ابْن جريج، عَن حكيمة، عَن أمهَا أُمَيْمَة.
قَالَ: وَفِي الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن شهَاب، قَالَ: «كَانَت أم أَيمن- أم أُسَامَة- من الْحَبَشَة، حاضنة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَامَتْ لَيْلًا وَهِي عَطْشَانَة بَعْدَمَا بَال عَلَيْهِ السَّلَام فِي فَخَّارة...» الحَدِيث.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مَالك النَّخعِيّ، عَن الْأسود بن قيس، عَن نُبَيْح الْعَنزي، عَن أم أَيمن، قَالَت: «قَامَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من اللَّيْل إِلَى فَخَّارة فِي جَانب الْبَيْت، فَبَال فِيهَا، فَقُمْت من اللَّيْل، وَأَنا عَطْشَانَة فَشَرِبت مَا فِيهَا، وَأَنا لَا أشعر، فَلَمَّا أصبح النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يَا أم أَيمن، قومِي فأهريقي مَا فِي تِلْكَ الفخارة. قلت قد وَالله شَرِبْتُ مَا فِيهَا. قَالَت: فَضَحِك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى بَدَت نَوَاجِذه، ثمَّ قَالَ: أما إنَّه- وَالله- لَا يَيجَعَنَّ بَطْنك أبدا».
وَكَذَا رَأَيْته أَنا فِي أكبر معاجمه.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَالك النَّخعِيّ: ضعَّفه الرازيان، أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء.
وَالْأسود بن قيس: ثِقَة، وثَّقه يَحْيَى، وَأَبُو حَاتِم.
ونبيح الْعَنزي: سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَنهُ، فَقَالَ: كُوفِي ثِقَة، لم يرو عَنهُ غير الْأسود بن قيس.
قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن يُنْظَر فِي اتِّصَال هَذَا الإِسناد فِيمَا بَين نُبيح وَأم أَيمن، فإنَّهم اخْتلفُوا فِي وَقت وفاتها، فروَى الطَّبَرَانِيّ عَن الزُّهْرِيّ: أَنَّهَا توفَّيَتْ بعد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخَمْسَة أشهر.
قلت: وَقيل سنة. حَكَاهُ ابْن الْأَثِير. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: توفيت فِي خلَافَة عُثْمَان. وَهُوَ شَاذ.
وَقَالَ الشَّيْخ: وَرُوِيَ فِي الحَدِيث: أَنَّهَا عاشت بعد عمر بن الْخطاب. وَقَالَت يَوْم قَتله: الْيَوْم وَهَى الإِسلام.
قَالَ: فإنْ كَانَ الْأَمر عَلَى مَا نَقَل الزُّهْرِيّ، فَلم يُدْرِكهَا نُبيح، وإنْ كَانَ الآخر، فيُنظر فِي ذَلِك.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط- عِنْد قَول حجَّة الإِسلام فِيهِ: رُوي «أَن أم أَيمن شربَتْ بَوْل النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يُنكر عَلَيْهَا، وَقَالَ: إِذا لَا تلج النَّار بَطْنك»: هَذَا حَدِيث ورد متلوِّنًا ألوانًا، وَلم يخرج فِي الْكتب الْأُصُول، فَروِيَ بإسنادٍ جيدٍ، عَن حكيمة بنت أُمَيْمَة بنت رقيقَة أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَبُول فِي قدح من عيدَان، وَيُوضَع تَحت السرير، فَبَال فِيهِ لَيْلَة، فَوضع تَحت السرير، فجَاء فَإِذا الْقدح لَيْسَ فِيهِ شَيْء، فَقَالَ لامْرَأَة يُقَال لَهَا بركَة كَانَت تخدمه، لأم حَبِيبَة، جَاءَت مَعهَا من أَرض الْحَبَشَة: «الْبَوْل الَّذِي كَانَ فِي الْقدح، مَا فعل؟ قَالَت: شربته يَا رَسُول الله». زَاد بَعضهم، «فَقَالَت: قُمْت وَأَنا عَطْشَانَة فَشَربته، وَأَنا لَا أعلم». وَفِي رِوَايَة لأبي عبد الله بن مَنْدَه الْحَافِظ: «لقد احتظرت من النَّار بحظار» فَهَذَا الْقدر مِنْهُ اتّفقت عَلَيْهِ الرِّوَايَات، وَأما مَا اضْطَرَبَتْ فِيهِ مِنْهُ، فالاضطراب مَانع من تَصْحِيحه.
قلت: وَأمر آخر، وَهُوَ: جَهَالَة حكيمة بنت أُمَيْمَة، فإنَّه لَا يُعرف لَهَا حَال.
قَالَ: وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي شربت بَوْله صَحِيح.
قلت: لَعَلَّه قَالَه تبعا لعبد الْحق، حَيْثُ قَالَ: وَمِمَّا يلْحق بِالصَّحِيحِ- عَلَى مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ- حَدِيث أُمَيْمَة بنت رقيقَة: «كَانَ للنَّبِي قدح من عيدَان تَحت سَرِيره يَبُول فِيهِ».
وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان، بِأَن قَالَ: لَمْ يقْض عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ بِصِحَّة، وَلَا يَصح لَهُ ذَلِك، إِنَّمَا ذكر أَنَّهَا فِيمَن يلْزم الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاج حَدِيثهَا، وَلم ينصّ فِي حكيمة بتعديل وَلَا تجريح، فَالْحَدِيث مُتَوَقف الصِّحَّة عَلَى الْعلم بِحَال حكيمة، فإنْ ثَبت ثقتها ثبتَتْ رِوَايَتهَا، وَهِي لم تثبت، واعتماد الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِك غير كَاف.
قلت: قد ذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته، فثبتت وَالْحَمْد لله.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين قَالَ: وَرَوَى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه حلية الْأَوْلِيَاء من حَدِيث الْحسن بن سُفْيَان , صَاحب الْمسند بِإِسْنَاد، عَن أم أَيمن قَالَت: «بَات رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْبَيْت، فَقَامَ من اللَّيْل، فَبَال فِي فَخَّارة، فَقُمْتُ وَأَنا عطشى لم أشعر مَا فِي الفَخَّارة، فَشَرِبت مَا فِيهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ لي: يَا أم أَيمن، أريقي مَا فِي الفخارة. قلت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ شربتُ مَا فِيهَا، فَضَحِك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى بَدَت نَوَاجِذه، ثمَّ قَالَ: إنَّه لَا يَيْجَعَنَّ بَطْنك بعده أبدا».
قلت: وَهَذَا اللَّفْظ هُوَ لفظ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك فِي ترجمتها، لَكِن بِإِسْنَاد الطَّبَرَانِيّ الْمُتَقَدّم سَوَاء.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح: فالاستدلال بذلك إِذا يحْتَاج إِلَى أَن يُقال فِيهِ: لم يأمرها النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغسْل فمها، وَلَا نهاها عَن عودة.
قَالَ: وَكَون الْمَرْأَة أم أَيمن، مولاة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قد يُظنُّ من حَيْثُ أَن اسْمهَا بركَة، وَفِي الحَدِيث تَسْمِيَة الْمَرْأَة الشاربة: بركَة، وَلَا يثبت ذَلِك بذلك، فإنَّ فِي الصحابيات أُخرى اسْمهَا بركَة بنت يسَار مولاة أبي سُفْيَان بن حَرْب، هاجَرَتْ إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَمَا فِي الحَدِيث من نسبتها إِلَى أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان يدل عَلَى أَنَّهَا بنت يسَار.
قَالَ: وَيجوز فِي قَوْله: «النَّار» النصب، مَعَ الرّفْع فِي قَوْله «بَطْنك»، وَيجوز الْعَكْس.
قلت: حَكَى ابْن الْأَثِير خلافًا فِي أنَّ أم أَيمن، بركَة مولاة رَسُول الله وحاضنته، هِيَ الَّتِي شَرِبَتْ بَوْله، أَو بركَة جَارِيَة أم حَبِيبَة.
وبالأول جزم أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي ترجمتها.
وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من طَرِيقين، أنَّ الَّذِي شربه برة خَادِم أم سَلمَة، بعد أَن عقد ترجمتها، وَهُوَ غَرِيب.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَعَلَّ بركَة هَذِه- يَعْنِي الْمُتَقَدّمَة- أم أَيمن.
قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه الْآيَات الْبَينَات: لَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا هِيَ بركَة بنت يسَار، مولاة أبي سُفْيَان بن صَخْر بن حَرْب، هَاجَرت إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا قيس بن عبد الله الْأَسدي.
قَالَ: وَالْعجب من ابْن عبد الْبر، حَيْثُ ذَكَرَها مَعَ زَوجهَا فِي حرف الْقَاف، ثمَّ شكَّ الْآن فِيهَا وظنَّها أم أَيمن، وَأم أَيمن: هِيَ بركَة بنت ثَعْلَبَة، زوج عبيد الحبشي، تُعرف بأُم الظباء، هَاجَرت الهجرتين، وصلت الْقبْلَتَيْنِ، وابْنهَا أَيمن قُتل شَهِيدا يَوْم حنين.
وَقَالَ: وَظهر مِمَّا قُلْنَاهُ: أَن فِي ذَلِك قصتين، إِحْدَاهمَا: فِي قدح من عيدَان، والراوية أم يُوسُف؛ وَالثَّانيَِة: فِي فَخَّارة، والراوية أم أَيمن، بركَة بنت ثَعْلَبَة. وإنَّما أشكل ذَلِك عَلَى الروَاة من حَيْثُ أَن اسْم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بركَة، وكلتاهما من الموَالِي، فَهَذِهِ مولاة رَسُول الله، وَتلك مولاة أبي سُفْيَان، وكلتاهما مِمَّن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة من النِّسَاء مَعَ الْأزْوَاج، فَاشْتَبَهَ أَمرهمَا، وَقد تبيَّن الْفرق بَينهمَا.
قَالَ: وَقَوله: «لَا يَيْجَعَنَّ بَطْنك» عَلَى مِثَال: لَا تشتكين، قَالَ اللغويون: هُوَ اسْم لجَمِيع الْمَرَض كُله.

.الحديث العَاشِر:

عَن عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرْكًا، فيصلِّي فِيهِ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَمُسلم، فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ.
وَفِي رِوَايَة لَهما: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغسل الْمَنِيّ، ثمَّ يخرج إِلَى الصَّلَاة فِي ذَلِك الثَّوْب، وَأَنا أنظر إِلَى أثر الْغسْل فِيهِ».
فَائِدَة: قَالَ الإِمام أَحْمد، ثمَّ الْبَزَّار: إِنَّمَا رُوي غَسْل الْمَنِيّ عَن عَائِشَة من وَجه وَاحِد، رَوَاهُ عَمْرو بن مَيْمُون، عَن سُلَيْمَان، وَلم يسمع من عَائِشَة.
قَالَ الْبَزَّار: فَلَا يكون مُعَارضا للأحاديث الَّتِي فِيهَا الفرك.
كَذَا قَالَا، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ هُنَا التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهَا.
وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عمْرَة عَنْهَا، بل الْبَزَّار نَفسه رَوَى ذَلِك، كَمَا سَيَأْتِي فِي الحَدِيث الثَّانِي عشر.
قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أَنَّهَا تفركه وَهُوَ فِي الصَّلَاة. قَالَ: وَالِاسْتِدْلَال بهَا أَقْوَى.
قلت: بِلَا شكّ، وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة، رَوَاهَا أَئِمَّة حفَّاظ، بأسانيد كل رجالها ثِقَات، لَا مطْعن لأحد فيهم.
أَوَّلهمْ: إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، رَوَاهُ فِي صَحِيحه، عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي، عَن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب بن دِثَار، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا كَانَت تَحُتُّ الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يُصَلِّي».
وهذ إِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح، كل رِجَاله ثِقَات فِي الصَّحِيح فالزعفراني أخرج لَهُ البُخَارِيّ. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن يُوسُف الْأَزْرَق، اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ. وَمُحَمّد بن قيس رَوَى لَهُ مُسلم، ووثَّقه وَكِيع وَأحمد وَيَحْيَى وَعلي بن الْمَدِينِيّ. ومحارب بن دثار اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: ذكر مَا رُوِيَ من فركه فِي الصَّلَاة. ثمَّ قَالَ: رَوَى ابْن خُزَيْمَة... وَسَاقه كَمَا ذكرته.
وثانيهم: الْحَافِظ أَبُو حَاتِم بن حبَان، فإنَّه أخرجه فِي صَحِيحه، عَن مُحَمَّد بن عَلان، نَا لوين، نَا حَمَّاد بن زيد، عَن هِشَام الدستوَائي، عَن أبي معشر، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «لقد رَأَيْتنِي أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يُصَلِّي».
وَهَذَا إِسْنَاد فِي غَايَة من الصِّحَّة.
وثالثهم: الْحَافِظ أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَحْقِيقه: أَنا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز، حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَلّي الْحَافِظ، أَنا أَبُو عمر بن مهْدي، نَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، نَا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عمر، نَا أبي، نَا وهب بن إِسْمَاعِيل، نَا مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب بن دثار، عَن عَائِشَة قَالَت: «ربَّما حتته من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ».
ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي الْمعرفَة للبيهقي، فِي أثْنَاء الصَّلَاة، ذكره من حَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَن إِسْحَاق بن يُوسُف، عَن مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب بن دثار، عَن عَائِشَة: «أَنَّهَا كَانَت تُحُتُّ الْمَنِيّ من ثِيَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاة». ثمَّ قَالَ: وَهَذَا وإنْ كَانَ فِيهِ بَين محَارب وَعَائِشَة إرْسَال، فَفِيمَا قبله مِمَّا يؤكده.
قلت: هَذَا قد تَابعه الْأسود- كَمَا سلف- عَلَى تَقْدِير الإِرسال.
وَأوردهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه من حَدِيث مَيْمُون بن مهْرَان، عَن ابْن عَبَّاس، عَن عَائِشَة قَالَت: «كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِيهِ».
فَإِذا عرفت ذَلِك، قضيت الْعجب من قَول الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ- رَحمَه- الله: أَن الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الَّتِي رَوَاهَا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْحفاظ غَرِيبَة. يَعْنِي: أَنه لَا يعرف من رَوَاهَا.

.الحديث الحَادِي عشر:

رُوي أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِنَّمَا يغسل الثَّوْب من الْبَوْل، والمذي، والمني».
هَذَا الحَدِيث بَاطِل، لَا يحلّ الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ، وَالْمَوْجُود: «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، مَرَّ بعمَّار وَهُوَ يسْقِي رَاحِلَته فِي رَكْوَة، إذْ تَنَخَّم، فأصابت نخامته ثَوْبه، فَأقبل عمَّار يغسلهَا، فَقَالَ: يَا عمَّار، مَا نخامتك وَلَا دموعك إلاَّ بِمَنْزِلَة المَاء الَّذِي فِي رَكْوَتك، إنَّما تَغْسِلُ ثَوْبك من الغائطِ، والبولِ، والمني، وَالدَّم، والقيء».
رَوَاهُ كَذَلِك: أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مُسْنده، وَأَبُو نعيم فِي مَعْرفَته، وَابْن عدي فِي كَامِله، والعقيلي فِي ضُعَفَائِهِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَمْ يَرْوِه غير ثَابت بن حَمَّاد، وَهُوَ ضَعِيف جدًّا.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ: لَا يرويهِ عَن سعيد بن الْمسيب، عَن عَمَّار، غير عَلّي بن زيد، تَفَرَّد بِهِ ثَابت بن حَمَّاد، وَلَا يُروى عَن عمَّار إلاَّ بِهَذَا الإِسناد.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه، وخلافياته: هَذَا الحَدِيث بَاطِل، لَا أصل لَهُ، إنَّما رَوَاهُ ثَابت بن حَمَّاد، عَن عَلّي بن زيد، عَن ابْن الْمسيب، عَن عمار، وَعلي بن زيد غير مُحْتَج بِهِ، وثابت مُتَّهم بِالْوَضْعِ. وضَعَّفه فِي الْمعرفَة بِسَبَب ثَابت.
قلت: أما ثَابت بن حَمَّاد، فَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقه، وَتَركه الْأَزْدِيّ أَيْضا، وَقَالَ ابْن عدي: لَهُ أَحَادِيث يُخَالف فِيهَا وَفِي أسانيدها الثِّقَات، وَهِي مَنَاكِير. وَقَالَ الْعقيلِيّ: حَدِيثه غير مَحْفُوظ، وَهُوَ مَجْهُول بِالنَّقْلِ. ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وقولة الْبَيْهَقِيّ المتقدِّمة، لَا نعلم لَهُ مُوَافقا عَلَيْهَا، وَقَالَ هبة الله الطَّبَرِيّ: هَذَا الْخَبَر يرويهِ ثَابت بن حَمَّاد، وأنَّ أهل النَّقْل أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه. قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: وَلَا نعلم ثَابتا رَوَى إلاَّ هَذَا الحَدِيث.
وَأما عَلّي بن زيد بن جُدعان: فقد تَقَدَّم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ، فِي الحَدِيث الرَّابِع من هَذَا الْبَاب.
وذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله، وضَعَّفه بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وبيَّض لَهُ الشَّيْخ زكي الدَّين، وَهُوَ فِي هَذِه الْكتب.

.الحديث الثَّانِي عشر:

رُوِيَ «أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فِي الْمَنِيّ: اغسليه رطبا، وافركيه يَابسا».
هَذَا الحَدِيث غَرِيب عَلَى هَذِه الصُّورَة، وَكَأن الإِمام الرَّافِعِيّ تبع فِي إِيرَاده كَذَلِك الْمَاوَرْدِيّ، فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي حاويه، ثمَّ قَالَ: إنْ صحَّ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَاب.
وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين، أَبُو الْفرج، ابْن الْجَوْزِيّ، فِي كتاب التَّحْقِيق: هَذَا حَدِيث لَا يُعرف، وإنَّما الْمَنْقُول أَنَّهَا كَانَت هِيَ تفعل ذَلِك، من غير أَن يكون أَمَرَهَا. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدِهِ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «كنت أَفْرُكُ الْمَنِيّ من ثوبِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ يَابسا، وأغسله إِذا كَانَ رطبا».
وَهُوَ كَذَلِك فِي سنَنه، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه أَيْضا.
وَفِي مُسْند الْبَزَّار أَيْضا، لَكِن بِلَفْظ: «كنت أَفْرُكُ الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ يَابسا، وأغسله، أَو أمسحه إِذا كَانَ رطبا». ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا يُعلم أحد أسْندهُ عَن بشر بن بكر، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يَحْيَى، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة، إلاَّ عبد الله بن الزبير، وَهُوَ الْحميدِي، وَرَوَاهُ غَيره عَن عمْرَة مُرْسلا.
وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: حَدِيث عَائِشَة «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَأْمر بحتِّ الْمَنِيّ» ضَعِيف.
قلت: رَوَى ابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَأحمد بن يُوسُف قَالَا: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة، نَا سُفْيَان، عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن هَمَّام بن الْحَارِث قَالَ: «كَانَ ضيف عِنْد عَائِشَة، فأجنب، فَجعل يغسل مَا أَصَابَهُ، فَقَالَت عَائِشَة: كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرنَا بِحَتِّه».
وَسَاقه ابْن بشكوال من طَرِيق الثَّوْريّ، نَا هناد، وَأَنا أَبُو نعيم، عَن الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم، عَن همام، قَالَ: «ضَافَ عائشةَ ضيفٌ، فَأمرت لَهُ بِمِلْحَفَةٍ صفراء، فَنَامَ فِيهَا، فَاحْتَلَمَ. فاستحيى أَن يُرْسل بهَا وَبهَا أثر الِاحْتِلَام، فغمسها فِي المَاء، ثمَّ أرسل بهَا. فَقَالَت عَائِشَة: لِمَ أَفْسَدَ علينا ثوبنا، إنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أَن يفركه بأصابعه، وربَّما فركته من ثوب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بأصابعي».
ثمَّ سَاق عَن الْحميدِي، عَن سُفْيَان بِهِ بِنَحْوِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا الضَّيْف هُوَ: عبد الله بن شهَاب الْخَولَانِيّ.
ثمَّ سَاقه من حَدِيث مُسلم، عَن أَحْمد بن جَوَّاس، عَن أبي الْأَحْوَص، عَن شبيب بن غرقدة عَن عبد الله بن شهَاب الْخَولَانِيّ قَالَ: «كنت نازلاً عَلَى عَائِشَة، فأجنبت فِي ثوبيَّ، فغمستهما فِي المَاء فرأتني جَارِيَة لعَائِشَة فَأَخْبَرتهَا، فَبعثت إليَّ عَائِشَة فَقَالَت: مَا حَمَلك عَلَى مَا صنعت بثوبيك؟ قَالَ: رَأَيْت مَا يرَى النَّائِم فِي مَنَامه. قَالَت: هَل رَأَيْت فيهمَا شَيْئا؟ قلت: لَا. قَالَت: لَو رأيتَ شَيْئا غسلته، لقد رَأَيْتُني وإنِّي لأَحُكُّه من ثوبِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَابسا بظفري».
وَقيل: هُوَ همام بن الْحَارِث، وَقيل: الْأسود بن يزِيد. ثمَّ سَاق من حَدِيث الحكم، عَن إِبْرَاهِيم، عَن همام، وَسَاقه وَفِي آخِره: «إنَّما كَانَ يَكْفِيك أَن تمسحه بإذخرة، أَو تغسل الْمَكَان الَّذِي أَصَابَهُ، فإنْ أُخْفِي عَلَيْك أَن تَدعه، لقد رَأَيْتنِي أجد فِي ثوب رَسُول الله الْمَنِيّ مِنْهُ بعد أَيَّام، فأحته».
ثمَّ سَاق من حَدِيث مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: «نزل الْأسود عَلَى عَائِشَة...» الحَدِيث، وَفِي آخِره: فأَحُتّه هَكَذَا.

.الحديث الثَّالِث عشر:

«إِن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يسْتَعْمل الْمسك، وَكَانَ أحبَّ الطّيب إِلَيْهِ».
هَذَا صَحِيح، يُذكر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة: «كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيصِ الْمسك فِي مَفْرِقِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ». اللَّفْظ لمُسلم، وَلَفظ البُخَارِيّ: «الطِّيب» بدل «الْمسك» وَقَالَ: «مفارق» بدل «مفرق». وَأخرجه مُسلم كَذَلِك، لكنه قَالَ: «و هُوَ يُهِلٌُّ» وَفِي رِوَايَة: «وَهُوَ يُلَبِّي».
وَهَذَا الحَدِيث ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْحَج، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ- إِن شَاءَ الله تَعَالَى- مَبْسُوطا.
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «كَانَت امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل قَصِيرَة، تمشي بَين امْرَأتَيْنِ طويلتين، فاتخذت رجلَيْنِ من خشب، وخَاتمًا من ذهب مغلقٍ مُطَبَّقٍ، ثمَّ حَشَتْهُ مسكًا، والمسكُ أطيب الطّيب».
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز مُخْتَصرا بلفظين: أَحدهمَا: «الْمسك أطيب الطّيب» الثَّانِي: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الْمسك، فَقَالَ: هُوَ أطيب طيبكم». ثمَّ قَالَ فيهمَا: حسن صَحِيح.
وَأخرج ابْن حبَان الأول فِي صَحِيحه، وَأحمد بِلَفْظ: «ذُكر الْمسك عِنْد رَسُول الله فَقَالَ: هُوَ أطيب الطّيب».
وَالْحَاكِم بِاللَّفْظِ الثَّانِي لِلتِّرْمِذِي، ثمَّ بِلَفْظ: «أطيب الطّيب الْمسك» ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الإِسناد.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد- أَيْضا- فِي الْجَنَائِز مُخْتَصرا: «أطيب طيبكم الْمسك». وَكَذَا النَّسَائِيّ فِيهِ بلفظين: أَحدهمَا: «أطيب الطّيب الْمسك».
وَالثَّانِي: «من خير طيبكم الْمسك».
وَأخرجه فِي اللبَاس بِلَفْظ: «إِن امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل اتَّخذت خَاتمًا من ذهب، وحَشَتْه مسكًا، قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَهُوَ أطيب الطّيب».
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَت للنَّبِي سُكَّة يتطيب مِنْهَا». إِسْنَاده صَحِيح وَرِجَاله كلهم ثِقَات مُخَرَّج لَهُم فِي الصَّحِيح.
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف، قبيل مَوَاقِيت الصَّلَاة: رُوي عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْنَاد جيد «أَنه كَانَ لَهُ مسك يتطيَّب بِهِ». وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث.
وَفِي سنَن النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء، عَن الْحُسَيْن بن عِيسَى القومسي، عَن عفَّان بن مُسلم، عَن سَلاَّم بن سُلَيْمَان، عَن ثَابت، عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «حُبِّبَ إليَّ من دُنْيَاكُم: النِّسَاء وَالطّيب، وجُعِلَتْ قُرَّة عَيْني فِي الصَّلاة».
كل رجال هَؤُلَاءِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، إلاَّ سلاَّم بن سُلَيْمَان المُزني، قَارِئ الْبَصْرَة، فَأخْرج عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. فَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح.
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ: ثَنَا عبد الْوَاحِد أَبُو عُبَيْدَة، عَن سَلام أبي الْمُنْذر، عَن ثَابت، عَن أنس رَفعه: «حُبِّبَ إليَّ النِّسَاء...» الحَدِيث.
ثمَّ رَوَاهُ عَن أبي سعيد، مولَى بني هَاشم، عَن سَلام بِهِ، بِلَفْظ: «إنَّ ممَّا حُبِّبَ إليَّ فِي الدُّنْيَا: النِّسَاء...» الحَدِيث.
وفيهَا أَيْضا- أَعنِي سنَن النَّسَائِيّ- فِي الْموضع الْمَذْكُور مثله، عَن عَلّي بن مُسلم، عَن سَيَّار بن حَاتِم، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضُّبَعِي، عَن ثَابت، عَن أنس مَرْفُوعا، مثله سَوَاء.
وَهَذَا إِسْنَاد حسن، عليَّ بن مُسلم احتجَّ بِهِ البُخَارِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وسيار بن حَاتِم صَدُوق. وجعفر بن سُلَيْمَان أخرج لَهُ مُسلم، وَهُوَ ثِقَة، وَفِيه شَيْء.
لَا جرم أَن الْحَاكِم أَبَا عبد الله، أخرجه فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من هَذِه الطَّرِيقَة، فِي كتاب النِّكَاح، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
وذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح، ثمَّ ذكر حَدِيث: «وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة» من حَدِيث أنس أَيْضا، والمغيرة.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب التَّرْغِيب فِي النِّكَاح، من حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعلي بن الْجَعْد، عَن سَلاَّم بِهِ، بِلَفْظ: «إنَّما حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: النساءُ والطيبُ، وجُعِلَت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة».
لفظ حَدِيث عَلّي، وَلَفظ حَدِيث مُوسَى: «حُبِّبَ إليَّ من الدُّنْيَا» ثمَّ قَالَ: تَابعه سَيَّار بن حَاتِم، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن ثَابت، عَن أنس، وَرَوَى ذَلِك جمَاعَة من الضُّعَفَاء عَن ثَابت.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِن رِوَايَته عَن ثَابت عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، أشبه بِالصَّوَابِ. ومَا أَدْرِي مَا وَجه ذَلِك؟
وَذكره أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كتاب أَخْلَاق رَسُول الله فِي موضِعين، وسَاق فِي الثَّانِي- بعد أَن رَوَاهُ بِلَفْظ: «حُبِّبَ إليَّ من الدُّنْيَا...»- فِي حَدِيث ابْن عمر، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «مَا أَعْطَيْت من دنياكم هَذِه إِلَّا نُسَيَّاتِكم».
فَيُؤْخَذ من مَجْمُوع مَا ذَكَرْتُ، مَا ذَكَرَه الإِمام الرَّافِعِيّ- إِن شَاءَ الله- فَتَأَمّله.
وَقد ذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه فِي الْبيُوع، فَقَالَ: والمسك كَانَ أحب الطّيب إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب: مَا ذكره صَحِيح. ثمَّ اسْتدلَّ بِحَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو الطّيب: إنَّ أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ رَوَى أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أطيب الطّيب الْمسك». قَالَ: وَهَذَا نَص.
وَقد عرفت أَنْت من أخرج هَذَا الحَدِيث، وَمَا زدناه عَلَى ذَلِك، فَوَافَقَ الْحَافِر الْحَافِر بِزِيَادَة، فَللَّه الْحَمد.